مجمع البحوث الاسلامية

447

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وخمسة عشر خمسة وعشرون يوما كان فيها السّير ، فكذلك خلق اللّه الأرض في يومين ، وقضاهنّ سبع سماوات في يومين ، وتمّم خلقهنّ في ستّة أيّام . وتقديره خلق الأرض في يومين من غير تتميم ، وجعل فيها رواسي ، وما تمّ به خلقها في أربعة أيّام فيها اليومان الأوّلان ، كما يقال : جعل الدّور في شهرين وفرغ منهنّ في أربعة أشهر . فيكون المحكم قد أبان عن معناه أنّه على جهة خلق الأرض في يومين من غير تتميم ، وليس على وجه التّضادّ على ما ظنّوه . فإن قيل : كيف يكون المحكم حجّة مع جواز تقييده بما في العقل ؟ وفي ذلك إمكان كلّ مبطل أن يدّعيه فتذهب فائدة الاحتجاج بالمحكم ؟ قلنا : لا يجب ذلك من قبل أنّ التّقييد بما في العقل إنّما يجوز فيما كان ردّا إلى تعارف « 1 » من جهة العقول دون مالا يتعارف في العقول ، بل يحتاج إلى مقدّمات لا يتعارفها العقلاء من أهل اللّغة ، والمراعى في ذلك أن يكون هناك تعارف من جهة العقل تقتضيه الحكمة ، دون عادة أو تعارف شيء لأنّ الحجّة في الأوّل دون الثّاني ، ومن جهة التباس ذلك دخل الغلط على كثير من النّاس . فإن قيل : كيف عدّدتم من جملة المحكم قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشّورى : 11 ، مع الاشتباه فيه بدخول الكاف ؟ قلنا : إنّما قلنا : إنّه محكم ، لأنّ مفهومه ليس مثله شيء على وجه من الوجوه ، دون أن يكون عند أحد من أهل التّأويل ، ليس مثل مثله شيء ، فدخول الكاف وإن اشتبه على بعض النّاس لم دخلت ، فلم يشتبه عليه المعنى الأوّل الّذي من أجله كان محكما . وقد حكينا فيما مضى عن المرتضى ( ره ) عليّ بن الحسين الموسويّ أنّه قال : الكاف ليست زائدة وإنّما نفى أن يكون لمثله مثل ، فإذا ثبت ذلك علم أنّه لا مثل له ، لأنّه لو كان له مثل لكان له أمثال ، فكان يكون لمثله مثل ، فإذا لم يكن له مثل مثل دلّ على أنّه لا مثل له ، غير أنّ هذا تدقيق في المعنى ، فتصير الآية على هذا متشابهة ، لأن ذلك معلوم بالادلّة . وقد يكون الشّيء محكما من وجه ومتشابها من وجه ، كما يكون معلوما من وجه ، ومجهولا من وجه ، فتصحّ الحجّة به من وجه المعلوم دون المجهول . ( 2 : 394 ) الواحديّ : هذه الآيات محكمات ، لأنّها لا تحتمل من التّأويل غير وجه واحد . [ إلى أن قال : ] وقوله : وَأُخَرُ جمع أخرى مُتَشابِهاتٌ يريد : الّتي تشابهت على اليهود وهي حروف التّهجّي في أوائل السّور ، وذلك لأنّهم أوّلوا على حساب الجمّل ، وطلبوا أن يستخرجوا منها مدّة بقاء هذه الأمّة ، فاختلط عليهم واشتبه . والمتشابه من القرآن : ما احتمل من التّأويل أوجها ، وسمّي متشابها ؛ لأنّ لفظه يشبه لفظ غيره ، ومعناه يخالف معناه ، قال اللّه تعالى في وصف ثمار الجنّة : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً البقرة : 25 ، أي متّفق المناظر مختلف الطّعوم . ثمّ يقال لكلّ ما غمض ودقّ متشابه ،

--> ( 1 ) كذا والظّاهر : ما تعارف .